صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )
مقدمة 37
الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية ( المقدمة العربية )
مصنوعات أذهانهم وأوهامهم وتخيلاتهم ، لكن جميع الموجودات حتى عبدة الأصنام يؤمنون أن أمره ماض ومشيئته نافذة وحكمه جار ، لا مجال لأحد في التمرد والتقصّي أعني بذلك الأمر التكويني والقضاء الحتمي ، والدين الفطري والعبادة الذاتية ثابتان في جميع المخلوقات . إن منشأ الطاعة هو الاسم الهادي ومنشأ العصيان هو الاسم المضل . إن اللّه سبحانه وتعالى يحب عباده وهو أشد سارّ ومسرور ومبهج ومبتهج بذاته ، وقد بيّن ملا صدرا ذلك وفق مسلك أهل العرفان ، واعتبر أن منشأ الاستكمالات ومبدأ الحركات الجوهرية للجواهر الصورية والمادية هو عشق المبادئ العالية والشوق إليها ، لأنه يعتبر أن الوجود هو عين العشق والحب والابتهاج والحياة ، وأوضح أن الحياة سارية منه تعالى في جميع البسائط والمركبات . وكرس ملا صدرا قسما آخر من مباحثه للإلهيات من قبيل كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي وأن الشر مقضي بالعرض . إن الهيولى هو مصدر الشرور والحق منبع جميع الخيرات ، وله النفس المدبّرة على جميع البسائط والمركبات من نبات وجماد وحيوان ، ولإثبات هذا المعنى استشهد بعد إقامة بعض البراهين بكلام المعلم الأول في « الأثولوجيا » وقال إن النفس هي علة اتصال الجرم ووحدانيته « 1 » ، فهو يعتقد بأن النفس لولا أن تلزمه لتفرّق ولم يثبت على حال واحدة . إن الكلمة الفاعلة في عالم الأرض هي النفس المدبرة للأجسام « 2 » . « الإشراق الحادي عشر » في كيفية طاعة العقول الطولية والعرضية لربّ العالمين . إن طاعة هذه العقول هي طاعة فطرية عقليا ونقليا ولا تعرف العصيان . ويثبت ملا صدرا في الإشراق الثاني عشر أن عالم العقول هو عالم واحد ، وأن نشأة كل عقل متصلة بنشأة الآخر ، وأن حقيقة كل عقل كلي بالنسبة لما دونه بسيط الحقيقة وكل الأشياء ، وكل علة عالية هي تمام معلولها ، لأن العلة تكون صورة تمامية المعلول وأصل وجوده .
--> ( 1 ) الميمر التاسع من أثولوجيا شيخ اليونانيين ، المطبوع في حواشي « القبسات » للميرداماد 1312 ه . ق - ص ( 286 ، 287 ، 288 ) « إن كل جرم غليظا كان أو لطيفا فإنه ليس علة لوحدانيته » . ( 2 ) لكل نوع من الأنواع فرد مثالي وبرزخي وفرد عقلاني حافظ للأفراد الماديين . وهذه المسألة المهمة ثبتت بحسب البرهان والكشف ، وقد عجز حكماء الإسلام عن دركها وبرروا وأولوا كثيرا من المسلّمات الدينية من المباني عن طريق إنكار مثل هذه المسائل .